قراءة لِـ: مها الساعاتي

موضوع الفلم

ما الذي تعنيه الدجاجة بالنسبة لك؟ ان سألت هذا السؤال شخصا من الوقت الراهن، فإنك غالبا لن تجد اجابة تتعدى: هي وجبة لذيذة قد تتمثل في دجاج كنتاكي المقلي! مجرد لحمة مغلفة تُشتَرَى في السوبرماركت. من أين اتت هذه اللحمة؟ ربما لا يخطر ذلك في بال الشخص العادي.

عندما بدأت بمشاهدة هذا الفلم، توقعت ان يكون من نمط food inc.، مليء بالحقائق الصحية المرعبة والأخرى المؤلمة عن الحياة المهينة التي تعيشها حيوانات المصانع. الا ان هذا الفلم خالف توقعاتي، فهو يطرح ذات السؤال على عدة أشخاص ذووي شخصيات غريبة وطريفة، اقتطع الدجاج جزء من روتينهم اليومي ليروي لنا كل منهم قصته مع هذا المخلوق،  في طراز يشابه حكايات ديزني، يحيك هذا الفلم قصة عن الحيوانات للكبار، تنطق فيها الحيوانات بلسان أشخاص، ولا يخلو هذا الفلم من بعض المشاهد الطريفة والكفيلة برسم الابتسامات!

قد لا يجد الكل هذا الفلم شيقا، لمنحاه الذي يلعب على أوتار قصص طفولتنا، لكنه لمن يحب أن يتأمل في طبيعة الكون ومخلوقاته المنسية، وعلاقة الانسان بها!

حب الدجاج قد يتحول الى هوس غير طبيعي!

قصص الدجاج على لسان شخصيات الفلم

يعرض الفلم مقابلات مع اشخاص يحكون عن قصصهم الشخصية مع الدجاج، منهم:

امرأة مهووسة بالدجاج تربي دجاجة يابانية، تدللها وتأخذها الى النزهات في السيارة، تسبح معها، تتركها تجول في بيتها وهي ترتدي حفاظة، بل وتشاركها أكل الهمبرجر! ثم تبتسم وهي تتمنى للمشاهدين أن يستشعروا السعادة التي وجدتها في صداقة هذا المخلوق الجميل!

وننتقل الى مزارعة تصف شخصيات الدجاج الذي تربيه في حديقتها كأنما تصف أشخاصا، فمن الدجاج من هي هادئة وأخرى متسلطة وثرثارة، ومنهم من تستمع بالتمرغ في التراب تحت الشمس. وفي امسية شتاء مثلجة، وجدت احدى الدجاج وقد تخشبت تحت عتبة الباب، فأخذتها للبيت لتضعها في صندوق حتى يتهيأ لها دفنها في النهار، فإذا بها تشعر بنبضها، فما كان منها الا ان قامت بانعاشها حتى عادت للحياة. وبعد فترة نقاهة أعادتها الى بيت الدجاج فتهافتت باقي الدجاجات عليها تسألنها: اين كنت وماذا حصل معك وهل انت بخير؟

ثم نجد مربي ديوك اتخذ تجارة من رياضة مصارعة الديوك، وتكدس في مزرعته عشرات الديكة وتعالت صيحاتهم المزعجة ليلا ونهارا لشهور طوال، حتى تمكن جيرانه من مقاضاته والتخلص من الديكة.

ويتحدث مزارع اخر عن نشاط الدجاج الذي يجول في حقله، فيقوم بممارسة روتينه من البحث عن الاكل والتزاوج ووضع البيض وتربية الصغار والتمشي تحت الشمس، باعثين لمن يراهم النشاط والحيوية. ثم يقوم المزارع بتقليد طريف لصوت الديك قبل التزاوج وبعده وهو يشعر بالانتصار. ثم يتحدث عن كون دجاجاته تحيى حياة كاملة وسعيدة، بعكس دجاج المصانع، قبل أن ياتي الدور عليها فيذبحها برفق ليأكلها، “وفي ذلك احساس بالتكامل والتواصل مع اشياء خارج نفسك، خارج دائرة الأنا، يجعلك متصلا بسلسلة الحياة”.

ثم يحكي رجل اخر عن قصة مايك – ديك بدون رأس . فقد ابتدأت قصته عندما قام جده بذبحه، فأفلت مايك وفز واقفا دون رأس، حيا لم يمت، وذلك لأن عقله المشرف على وظائف الجسم الاساسية ما زال متصلا بجسده. تحول مايك بعدها الى اعجوبة يتوافد الناس عليه ويدفعون المال لرؤيته، حتى نسي جده  في احد الايام تنظيف السائل المخاطي الذي يفرزه عنقه فأختنق ومات بعد ان كون ثروة صغيرة من عرضه على الملأ. وبالطبع، من الجدير الاشارة الى وجود شكوك بصحة هذه القصة أو كونها خرافة.

 

مايك، الديك الذي عاش دون رأس

 

مونتاج دجاج المصانع

يتخلل هذه القصص الشخصية اللطيفة مقاطع بائسة لما احيل اليه دجاج المصانع اليوم. وقد لا يخطر ببال الكثير منا ونحن نتناول اللحوم ما مر به هذا الحيوان من حياة متدنية الأوضاع، فنحن مفصولون عن سلسلة الحياة التي انتجت لنا هذه اللحوم، لا ندري من اين تأتي المنتوجات الموضوعة على الرف، ولاندري الى اين تذهب مخلفاتنا بعد الاستهلاك. (لمشاهدة مقطع عن دجاج المصانع 45days: The life and death of a broiler chicken)

ويعرض الفلم مونتاج صامت لكتاكيت صغيرة بالالاف تسير في المصنع، وتطعم، ثم تلقى في اقفاص متكدسة. ولأنها معدلة جينيا، مليئة بالهرمونات، تكبر أحجامها وتتضخم لحومها في غضون اسابيع قصيرة، الا ان اعضائها الصغيرة وعظامها الهشة لا تقوى على حمل هذا الثقل المتزايد سريعا، فيصيب بعضها الكساح او فشل الاعضاء الداخلية وأحيانا كثيرة الموت قبل ان تصل الى المسلخ. وهي فضلا عن ذلك لا ترى الشمس ولا تعرف من حياتها القصيرة الا ان الأكل والغوص في روثها في انتظار مجزرة جماعية مرعبة تحولها الى كتلة لحوم للاستهلاك الآدمي! وفي هذا المقطع، يسود الصمت الا من صوت المصنع والدجاج، فالفلم لا يستخدم التعليق صوتي، ويكتفي بالتعليق الكتابي لعرض بعض الحقائق.

وعلى هامش هذا الموضوع، سأذكر موضوع  قرأته قبل بضعة ايام عن مارك زاكربيرق  Mark Zuckerberg مالك الفيسبوك، فقد صرح بأنه لا يأكل من اللحم الا ما ذبح بنفسه، وذلك تقديرا منه أن احدى المخلوقات أزهقت روحها لكي يحيى هو (المصدر).


ليزا، أثبتت شجاعة الدجاج بحمايتها لصغارها

 

خاتمة سعيدة

يختم الفلم بقصة لطيفة تثبت خطأ اللفظ الذي يعاير به الجبان، وهو مناداته بالـ”دجاجة”، فيحكي رجل قصة دجاجة صغيرة الحجم اسمها ليزا، وقد كانت تتوق للأمومة، الا أن الدجاجات الأخرى دأبن على نقر وتهشيم بيضها، حتى بنى لها الرجل بيتا خاصا لتتمكن من حماية ضغارها. ثم حكى عن موقف شجاع لها، فعندما حلق صقر فوق الحقل يوما لينقض على اطفالها، ضحت بنفسها من أجل حمايتهم. وتنتهي القصة كما تنتهي أفلام الكرتون بنجاتها بعد موقفها الشجاع! وختم الرجل قصته قائلا: “بعد رؤيتي لشجاعة ليزا، سأفتخر ان ناداني احدهم بأنني دجاجة!”

 

اسم الفيلم: The Natural History of the Chicken

تاريخ: 2000

إخراج: Mark Lewis

مدته: 60 دقيقة.

اللغة: انجليزي.

الفلم كاملا:

 

فلم وثائقي اخر (جدي) عن دجاج المصانع:

45days: The life and death of a broiler chicken