الصورة الوثائقية تركي الشهري:

يبدو أنه سؤال مهم يلوح في أذهان الكثرين ممن يرغبون في إنتاج الأفلام الوثائقية أو أولئك الذين تستهويهم مشاهدتها، وبقدر بساطة السؤال تكاد تكون الإجابة أيضاً بسيطة، إلا أن كثرة موضوعات الأفلام الوثائقية والقضايا التي تتناولها جنبا إلى جنب مع المعالجة والبنية الفيملية، جعل الإجابة عن هذا السؤال تستلزم شيئاً من التفصيل.

بداية، الفيلم الوثائقي يصنف ضمن الأفلام الحقيقية أي أنه nonfiction، بخلاف الأفلام الدارمية (narrative الروائية) ـ مثلاً ـ التي تصنف على أنها fiction أي أنها مبنية على الخيال أساساً أو على قصص واقعية ولكن بمعالجة وسياقات مصطنعة.

الفيلم الوثائقي يتناول (أشخاص) حقيقين، (قضايا) حقيقية، في (سياق) حقيقي، لإيصال رسالة محددة.

فلو كان (شخصيات) الفيلم عبارة عن ممثلين يقومون بأدوار تمثيل .. فهم ليسوا أشخاصاً حقيقين بل تم الاستعانة بهم واستئجارهم.

ولو كانت (القضية) مفتعلة ومختلقة و(مرتبة) فهذا يعني ليست قضية حقيقية.

ولو كان الأشخاص حقيقيون والقضية حقيقية، ولكن تم توجيههم في (سياقات) مفتعلة ـ لا تعكس حياتهم ـ فهذا يعني أنها (مصطنعة) ولا تمثل الواقعية.

إذن نقرب الصورة أكثر، لو أردت أن تتناول ظاهرة البطالة في الوطن العربي وأثرها على الاستقرار السياسي، ووجدت عدة عاطلين في عدة بلدان عربية، ووجدت خبراء يمكنهم إثراء الفيلم، والقضية واضحة لديك ولديك تفصيلات كثيرة عنها، ولكن تم تغيير مسار اجابات العاطلين للتوافق مع أجندة سياسية معينة، في هذه الحالة.. هذا المسار (هو مفتعل، مختلق، مصطنع) لا يعكس حقيقة حياة هؤلاء العاطلين.. عندها هذا لا يعد فيلماً وثائقياً؛ لأنه لا يمثل سياقاً حقيقياً.

حينما تتبحر في عالم الأفلام الوثائقية سيتكون لديك مفهومك (الخاص) عنها وتعريفك الشخصي لها من خلال ممارستك واحتكاكك بمراحل الإنتاج فيها. على الرغم من هذا، فإنه من المفيد أن (يستأنس) الممارس للأفلام الوثائقية بتعريفات ورؤى وتصورات المنظرين في هذا الفن لأنها قد توسع لديه مجالات ـ ربما في زحمة الإنتاج ـ قد غفلت عنها.

لا يكاد يخلو كتاب يتناول الوثائقيات من إيراد التعريف المشهور للمنظر البريطاني جون جريرسون John Grierson بأن “الفيلم الوثائقي هو المعالجة الخلاقة للواقع” ولتبسيط هذا المفهوم، يمكنك أن تصور آلاف اللقطات والصور من الواقع ولكن لا يعني هذا أنك كونت فيلم وثائقي، لأنه يلزمك أن تكون فنياً مبدعاً و(خلاقاً) في المعالجة، لأن الفيلم الوثائقي هو عمل فني مثل: الرسم، الفنون التشكيلية وغيرها، تتطلب حساً كبيراً من المعالجة الفنية الإبداعية.

شخصياً، أفضل من وجدتهم فصّلوا في مفهوم الفيلم الوثائقي هو المخرج الوثائقي باري هامب Barry Hampe في كتابه: Making Documentary Films And Videos ، في هذا الكتاب ينتقد هامب الأفلام الوثائقية التي تعتمد كثيراً على المقابلات، لأن حديث الناس وحده لا يصنع الفيلم بل أفعالهم هي التي تصنعه، المشاهدون يريدون (البرهان) (والشاهد) على صدقية القضية التي تصورها، فلا يكفي أن تجري مقابلات مع الشخصيات، بل يلزمك أن تقدم، كما يذكر هامب، (الشاهد البصري Visual Evidence) ، والشاهد البصري أن تخرج مع الشخصيات وتصورهم كما لو أنهم يمارسون حياتهم بالشكل الطبيعي بما يربتط مع أصل موضوع الفيلم، وهكذا، ولذا فهو يؤكد على حركية الصورة حيث يقول : ” الكاميرا لا تجعل الصورة ممتعة، إنما [فعل] الناس هو ما يجعلها ممتعة”.

ولتوضيح فكرة (الشاهد البصري) الذي ذكره كثيرا هامب في ثنايا كتابه، لو أراد مخرج أن ينتج فيلما وثائقياً عن الزحام المروري في القاهرة وأثره على نفسيات الموظفين، وأجرى عشرات المقابلات مع سائقي السيارات، ومختصين في علم النفس، ودمجها مع مواد أرشيفية تظهر شوارع القاهرة مكتظة بالسيارات، فهذا ليس فيلما وثائقياً، لأنه، كما يقترح هامت، على المخرج أن يبرهن على صدقية افتراضه، ويجلب البرهان والشاهد في فيلمه، والحل هو أن يقوم باختيار مثلا 3 إلى 5 سائقين، ويصور معهم في سياراتهم وسط الزحام ويراقب ردات فعلهم بالكاميرا، ثم يذهب معهم إلى مقرات أعمالهم، ويحاول رصد المتغيرات، ثم يجري مقابلات مع المختصين النفسيين الذين يقيمون هذه العينة، هذا الإجراء يعرفه هامب بالفيلم الوثائقي السلوكي Behavioral Documentary، وبهذا يكون الفيلم “يخبر بالحقيقة، ويوثقها، ويمكن التحقق منها فيما بعد، حتى يقدمها كشاهد للجمهور”.