الصورة الوثائقيةتركي الشهري:

“وبضدها تتميز الأشياء”، إن معرفة ما ليس بالفيلم الوثائقي تتضح به معالم الفيلم الوثائقي أكثر، وقد كان يختلط عليّ كثيراً الفيلمُ الوثائقي وما ليس بكذلك، خاصة مع تداخل أشكال الإنتاج الفيلمي والتلفزيوني.

من أفضل من كتب في هذا الفن، باري هامب  Barry Hampe في كتابه Making Documentary Films and Videos ، والذي سألخص مجمل ما أشار إليه ـ في هذه الجزئية ـ مع شيء من التصرف والإضافة.

 

هناك أربعة أشكال فيلمية يؤكد هامب بأنها ليست أفلاماً وثائقية، وهي:

 

أولاً: الدراما التسجيلية Docudramas:

وهي الأفلام التي يتم تمثيلها على أساس أحداث تاريخية، أو حياة شخصية. فيتم الاستعانة بممثلين، وسيناريو كامل مصاغ على أساس الحبكة الدرامية، ولهذا فإن هامب يعد هذا النوع غير وثائقي؛ لأنه يتعرض ـ في بعض الأحيان ـ لتحريف مسار الحادثة التاريخية أو الشخصية بما يناسب الحبكة الدرامية، بما يعبر عنه هامب ب”الحاجة الدرامية” Dramatic needs.

يُفهم من هذا، بأن مدار الاختلاف هو في الكيفية وليس المضمون، بمعنى أن الدراما التسجيلية تعد قالباً مهماً ومؤثراً؛ لكنها لا تضاف ضمن تصنيف الأفلام الوثائقية، بل تعد أفلاماً روائية (درامية) أي أنها في النهاية تصنف بأنها Fiction  ، ومن أمثلة هذا الفيلم المشهور (عمر المختار: أسد الصحراء 1981) فالفيلم مبني على سيرة شخصية وأحداث تاريخية (حقيقية) ولكنها يتم تمثيلها درامياً بما يناسب الحبكة الدرامية. وأيضا فيلم (Munich 2005) الذي يحكي قصة حادثة تاريخية حدثت في أولمبياد ميونخ 1972 حينما قامت مجموعة فلسطينيين مسلحين بقتل عدد من الوفد الاسرائيلي في الأولمبياد فيما يعرف بأيلول الأسود، ثم قام مؤخراً الموساد بتتبع هذه المجموعة وقتلها، يتم تمثيل هذه الحادثة وفق الحبكة الدرامية التي تقتضي مناسبتها لظروف السيناريو والتصوير والميزانية وغيره، ولذا يتجه هامب إلى عدم تصنيف هذا النوع من الأفلام ضمن الأفلام الوثائقية.

هنا أود أن أؤكد، بأن استخدام (التمثيل) جزئياً  Reenactment في الأفلام الوثائقية ـ لتوضيح أحداث أو انفعلات ـ  فإنه لا ينفي عنها صفة الوثائقية، فعلى سبيل المثال، لو أردت انتاج فيلم عن سيول جدة التي حدثت في 2009 و2011، بالطبع ستجد مقاطع أرشيفية للسيول وغرق الناس وعمليات الإنقاذ وغيرها، لكنك ـ وبحسك الوثائقي ـ تريد أن تنتج الفيلم على شكل قصة وثائقية بنمط رواية القصة Storytelling واخترت عائلة ممن تعرضوا لحادثة السيل، وحتى توضح للمشاهد حجم الخوف والرعب الذي انتاب هذه العائلة اثناء السيل، فإنك ستحتاج إلى إعادة خلق المشهد (Recreation scene) فتحاول البحث عن غرفة غير قابلة للاستخدام، وتقوم بتهيئتها بأثاث وغيره، ثم تصور الأطفال من داخل الغرفة يشاهدون من النافذة (اللقطات الخارجية الإرشيفية: مثل سيارات يجرفها السيل)، وتستعين بمصدر مياه بحيث يقوم بسكب المياه في داخل الغرفة ـ بطريقة رمزية ـ ثم تصور تحرك قطع الأثاث، ثم تصور ردة فعل الأطفال وهو يتحسسون ارتفاع منسوب المياه في الغرفة، ثم لقطة أخرى للزوجة وهي ترفع الهاتف وتتصل بزوجها، وسماعة الهاتف يقطر منها الماء، ثم المشهد الآخر للزوج في العمل، وهو مصدوم وخائف على اسرته ويظهر عليه الارتباك.. وهكذا ، هذه المشاهد يمكن أن تضاف إليه مؤثرات بصرية وصوتية تدخل المشاهد في الحالة النفسية التي كانت تعيش فيها أسر مدينة جدة أثناء السيل، ويمكن أن يكون الصوت Voice-Over من العائلة نفسها على هذه المشاهد، أو من المعلق Narration، أو يكون هو صوت التمثيل الاساسي بحسب رؤية المخرج، إن المشاهد يعرف تماماً أنه تمثيل لما حصل، ولكنه تمثيل (جزئي) بمعنى أنه للتوضيح، والشخصيات التي مثلت من المحتمل أن تكون نفس الشخصيات، أو شخصيات يستعان بها، المهم في كل هذا، أن المشهد الممثل، يروي قصة (موثقة) لأسرة حقيقية في الفيلم ويتم اخذ مقابلات معهم، وربما زيارة منزلهم ورؤية آثار السيول.

هذا هو إعادة خلق المشاهد، ويستخدم ـ بصورة مؤثرة واحترافية ـ في بعض الأفلام الوثائقية من مثل فيلم  (The Thin Blue Line 1988) للمخرج Errol Morris، والذي قام فيه بإعادة تمثيل مشهد قتل رجل الشرطة وهو يستوقف سيارة سائق سيارة في منتصف الليل.

 

ثانياً: تلفزيون الواقع Reality Television:

يؤكد باري هامب على أن برامج تلفزيون الواقع هي ليست أفلاماً وثائقية أيضاً، ومن أمثلة هذا برنامج المسابقات  Survivor الذي يعرض على قناة CBS، هذا البرنامج الذي يحوي مجموعة متسابقين يتنافسون في مسابقات بدنية وذهنية، ثم يحصل فائز واحد في كل لعبة على الحصانة، ثم يتم التصويت على خروج متسابق كل يوم، حتى يفوز آخر متسابق بمليون دولار، ومثله برنامج Man Vs. Wild للمقدم Bear Grylls حيث يسافر إلى بيئات متنوعة ويحاول أن يتأقلم مع الظروف الطبيعية الصعبة، ويعرض أفكاراً للصيد والنجاة من المخاطر. كلا البرنامجين يتم الترتيب لهما اخراجياً بصورة جيدة، ولهذا باري هامب يصف هذا النمط من البرامج بأنها ليست بأفلام وثائقية لأنها تنتج في (بيئة مصطنعة)، بمعنى أنه لا يعكس حقيقة أن مقدم البرنامج Bear  يعيش في الصحراء الكبرى في أفريقيا ويحاول أن يتأقلم مع ظروف شح المياه، لأنه ببساطه يعيش في بريطانيا، ولكنه قدِم إلى الصحراء ليحاكي حياة السكان هناك، وإلا في حالة الخطورة فإن فريق العمل لديه اجراءات أمن وسلامة عالية. لهذا كما يقول باري “هل هذه الأحداث ستقع [مع فريق العمل] لو لم تكن هناك كاميرا؟” والإجابة بالطبع لا،  إذن هذا النمط من البرامج لا يصنف من الأفلام الوثائقية.

 

ثالثاً: الدعاية التسجيلية Docuganda:

هنا باري هامب يلفت الإنتباه إلى أن طريقة معالجة الفيلم الوثائقي قد تخرجه من إطار الأفلام الوثائقية، فالأفلام التي لها دعاية (سياسية أو فكرية أو طائفية أو غيرها) Propaganda ، وتعرض فقط جانب واحد من القضية فبحسب ما يقول هامب هذه لا تعد (حقيقية) إنما منحازة one-sided فتكون قد فقدت الفرصة لعرض الرأي الآخر وعندها لا تصنف ضمن الأفلام الوثائقية.

فدعنا نفترض هذا المثال: منتج أفلام وثائقية أراد أن يذكر حجم استغلال شركة سيارة ما لحاجة المجتمع لهذه السيارة فرفعت الأسعار، وأراد المخرج أن يعرض حجم الأنانية لدى هذه الشركة، مع العلم أن نفس الشركة لديها مشاريع خدمة المجتمع بصورة واسعة، ولكن بقصد كسب تعاطف المشاهدين لم يورد أي إشارة لهذه المشاريع (الخدمية أو الخيرية) وإنما ركز كل الفيلم على سلبية جشع الشركة برفع الأسعار، فأجرى مقابلات مع العملاء، والخبراء، وفي المقابل.. لم يعط فرصة لممثلين عن الشركة نفسها لتوضيح موقفها، هنا يكون الفيلم منحاز بالكامل لطرف واحد، وهذا في رأي هامب يعد قدحاً جذرياً في مفهوم (الحقيقة) وعندها لا يطلق على هذا الفيلم وصف الوثائقي إنما يعد فيلم دعاية تسجيلي.

ولتوضيح هذه النقطة، لو أن منتج أراد أن ينتج فلماً وثائقياً عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسعودية ـ والتي مؤخراً بدأت تهتم بإنتاج مقاطع فيلمية قصيرة لتوعية الرأي العام ـ، فهنا إن اهتم المنتج بالدفاع عن الهيئة وذكر فقط إيجابياتها، وأظهر منجزاتها من الحفاظ على الفضيلة والقيم ونبذ الرذيلة، وأظهر مقابلات مع أناس يشكرون الهيئة، هنا يكون المنتج قد عرض جانباً واحداً من القضية، أما إن أراد أن يتعاطى مع هذا القضية بصورة متوازنة، فيذكر ما يعده البعض تجاوزات من الهيئة، وأخطاء يقعون فيها بحكم أنهم بشر يعتريهم ما يعتري غيرهم من الأخطاء، ويورد مقابلات من الطرفين، ثم يعطي الهيئة فرصة لتبرير موقفها أو الاعتراف بالقصور، وفي المحصلة الحكم النهائي يكون للمشاهد. إنني أوافق هامب في أن مسؤولية (الحقيقة) في الفيلم الوثائقي تحتم على المنتج أن يكون منصفاً وشجاعاً في ذكر الإيجابيات والسلبيات عن القضية مثار البحث، لأن الفيلم الوثائقي ينقل الحقيقة ولا يزيفها. وفي الوقت نفسه، لا زالت مسألة الموضوعية هي مسألة جدلية تحتاج إلى مزيد من التفصيل، والتي سيبسط فيها التناول قريباً ـ إن شاء الله ـ تحت عنوان (أخلاقيات الفيلم الوثائقي).

 

رابعاً: الصحافة التلفزيونية Television Journalism:

وهنا ـ باختصار ـ يشير باري هامب في كتابه “صناعة الأفلام الوثائقية” أن التقارير والروبرتاج التلفزيوني أيضاً ليس بفيلم وثائقي، لأن التقارير التلفزيونية سريعة وآنية وسطحية، بينما الأفلام الوثائقية تغوص في الأعماق وتحلل وتحاول فهم الظواهر والأسباب وإيجاد المقترحات والحلول، ويقارن هامب الفرق بين الصحافة التلفزيونية والأفلام الوثائقية كالفرق بين المقالة والكتاب.

 

أخيراً. .

في تقديري، من الصعب الحكم قطعاً بأن هذا فيلم وثائقي والآخر ليس بكذلك، لأن الإنتاج التلفزيوني ـ في النهاية ـ هو عمل فني قائم على إبداع إنساني مستمر، وكل القواعد والتنظيرات في هذا الفن هي من باب المحاولة لتقعيد وتأصيل ممارساته. ومع تقدم وسائل تقنية التصوير والإعلام الرقمي؛ تتغير كثير من الأفكار والقوالب الفنية للإنتاج التلفزيوني والفيملي، ولكن ـ وبدون أدنى شك ـ معرفة الجانب التنظيري وما كتب فيه أهل الاختصاص؛ يساعدنا كثيراً في تملك مفاتيح الاحتراف المهني، والذي سيقودنا ـ إن شاء الله ـ إلى إضفاء فلسفتنا الإبداعية والإبتكارية الخاصة بما يضمن لنا المنافسة وجدارة الاستحقاق.

المجال متاح ـ في التعليقات ـ للتعقيب أو السؤال أو إثراء النقاش على ما تم ذكره في هذا الدرس.

وفي الدرس القادم بمشيئة الله، سنتعرف على أشكال وأنواع الفيلم الوثائقي وتصنيفاته.

 

موضوعات ذات صلة:

ما هو الفلم الوثائقي؟