للفائدة العلمية، في الحقل المعرفي للأفلام الوثائقية يطلقون مفردة ( subjects) على ضيوف الفيلم، وكذلك تستخدم مفردة (Participants) في ذات المعنى، ولإضافة معنى فلسفي؛ فإن بعض المنظرين يسمون ضيف الفيلم الوثائقي (Social actor) أي أنه ممثل بهدف اجتماعي وليس فني، بخلاف الممثلين في الأفلام الدرامية، فهم يتقمصون أدواراَ مصطنعة مصاغة في سيناريو محدد لذا فيلصق بهم مصطلح (Character).

استغلال الضيف في الأفلام الوثائقية يأخذ أشكالاً متعددة، لكن الشكل الصارخ والمثير للجدل هو: أن يقوم المخرج بإدخال الضيف (عمداَ) في حالة من الصراع النفسي أو المشاعري بهدف أن يظهره أمام الشاشة بهيئة تثير تعاطف الجمهور، وتشد انتباههم. وفيما يلي مجموعة من الإجراءات غير الأخلاقية تجاه ضيف الفيلم الوثائقي حاولتُ اجمالها في التالي:

أولاً: استدراج الضيف:

قد يسأل المخرج ضيفه عن موقف حساس وقع في الماضي، ويحاول أن يستميل الضيف ـ وقد يكون (طفلاُ) ـ إلى أن يكشف عن أحداث أو معلومات قد تحدث ضرراً قانونياً له/ها، أو اجتماعياً في المستقبل. طبعاً، الضيف أثناء اجابته للأسئلة، لا يتوقع أن تكون جزئيات بعض الإجابات قد تهم المخرج، ولكن المخرج وبمهارة فنية في المونتاج، ينتقي ما يزيد من (الإثارة) المزعومة وإن كان يشوه صورة الضيف، او ربما يوقعه في احراجات اجتماعية تمتد إلى سنوات طويلة.

أنا لا أتحدث هنا عن مقابلة مع مشاهير،
أو رجال أعمال، أو سياسيين، فهؤلاء يعرفون جيداً كيف يفصحون عن مواقفهم، ويحسبون للتعاطي مع الإعلام ألف حساب، ولكني هنا أشير إلى أولئك الضيوف الذين لم يقفوا أمام الكاميرا في حياتهم من قبل، أو من هم دون سن الثامنة عشرة، أو من بعض محدودي الثقافة، ممن قد يقعون ضحية فيلم وثائقي انتزع خصوصيتهم وبثها بين الجمهور بدون تقدير للاعتبارات النفسية والأخلاقية.

 

ثانياً: جعل الضيف يبكي، ثم اقتناص الموقف بتقريب الكاميرا Zoon in  على وجه الضيف:

هذه النقطة تحديداَ، يختلف فيها الممارسون والمنظرون للفيلم الوثائقي إلى فريقين، فريق لا يرى بأساَ في أن تسأل ما تريد وإن دخل الضيف في حالة بكاء فهذه فرصة ذهبية يجب أن يقتنصها المصور ويدخل (زووم ان) على وجه الضيف، وفريق آخر يرى أنها استغلال للضيف، وإمعان في جرح مشاعره من جهة، ومن جهة أخرى استخفاف بعقل المشاهد باستخدام (زووم ان) بهدف مشاهدة دموع الضيف تنسكب على وجنتيه!

شخصياَ، أميلُ إلى الرأي الثاني، وأشعر أن أسلوب (عيّطني) ـ باللهجة المصرية ـ هو استفزازي للضيف وفيه قدر من الاستعلاء على مشاعره وقضياه الحساسة، وأيضاً فيه تسطيح لعقل المشاهد، وكأن المخرج يمارس دور الوصاية على مشاهديه ولسان حاله يقول: ” الآن أريدكم تبكون، كما يبكي ضيفي، أريدكم أن تشعروا بالتعاطف تجاهه، انظروا جيداً.. هل تشاهدون دموعه، إنها تهطل كالدرّ على خديه!”

تدعيماَ لموقفي هذا، أسوق الآن اقتباساَ ـ بتصرف يسير ـ لأحد المخرجين واسمه (سام بولارد) حيث يروي الموقف التالي:

” سألتُ  ضيفي ـ في فيلم وثائقي ـ أن يعيد المقابلة لأجل الحصول على مقابلة مؤثرة مشاعرياَ؛ ليذكر على نحو مؤلم تفاصيل قصة إيذائه في مخفر الشرطة، عندها، بدأ الضيف بالبكاء، بدأتُ أنا بالبكاء، ثم بدأ فريق العمل كله بالبكاء. بعد فراغي من التصوير، شعرتُ بأنني استغللتُ الضيف من أجل مكاسب شخصية! نعم لقد كانت لحظة رائعة لفيلمي، ولكني شعرتُ بالأسف أن أدفعه إلى هذه الحالة التي نكأت جراحه” (اوفدرهايد وأخرون، 2009، ص9).

 

ثالثاَ: اجراء مقابلات مع غير متقني العربية (مثلاً: عمّال) بصورة محرجة لهم:

قد يتطلب فيلمك الوثائقي أن تضمنه شخصية لا تكون العربية لغته الأولى، وهنا إما أن يكون الضيف يتحدث اللغة العربية بصورة مقبولة ومفهومة، وهذا لا إشكال فيه ـ وقد تحتاج أن تضع subtitle  عربي بمفردات الضيف حتى لا يُشكل المعنى على المشاهد، فقط من باب الاحتياط ـ، ولكن المشكلة إن كان الضيف لا يُحسن العربية، أو يتحدثها بصورة ركيكة، أو يرتكب أخطاء في نطقه لبعض الكلمات مما يحرفها عن معناها الأصلي ـ وربما يحيلها إلى معنى مضحك، أو محرج، أو مؤذٍ ـ، في هذه الحالة، يجب أن تكون المقابلة بلغة الضيف الأصلية، ويستعان بمترجم، ومن ثم في المونتاج إما أن يتم دبلجة الصوت بصوت المترجم، أو يتم الاحتفاظ بصوت وصورة الضيف مع subtitle  للترجمة.

إن هذا التحرز الأخلاقي من شأنه أن يحفظ للمعلومة دقتها من التشويه، ويحفظ حقوق الضيف الأخلاقية والنفسية أن يتم استغلالها فيما بعد من (قراصنة اليوتيوب) ـ الذين لا شغل لهم إلا اجتزاء المقاطع من سياقاتها ثم نشرها في النت والمواقع الاجتماعية على أنها مقاطع فكاهية، وهذا مؤذ وغير أخلاقي تماماَ.

 

رابعاً: تصوير الضيوف دون اشعارهم وقد يزاولون أشياء لا يريدون أن يُظهروها:

وذلك بأنك تقوم بتصوير ضيوفك، ضمن نمط observational documentary ، مما يتسلزم منك أن تصورهم وهم يزاولون أنشطتهم المعتادة دون الانتباه إلى وجود الكاميرا. ليست هذه المشكلة، إنما المشكلة، أن تستمر في تصوريهم في أوضاع يتوقعون أنك قد أطفأت الكاميرا فيها، فيقومون بالتصرف على أساس أنه ليس هناك توثيق لعملهم أو أحد يراقبهم، ولكنك فضلت أن تلتقط هذه اللحظات حتى بدون تنبيههم، ثم تستخدمها في فيلمك. هنا، قد يتسائل البعض، أليست العفوية مطلوبة في هكذا فيلم وأن تنبيههم سوف يظهرهم بصورة المتكلف؟

الجواب: نعم، ولكن يمكنك أن تصورهم بكامل عفويتهم من خلال زوايا ومواضع الكاميرا وتعدد خيارات عمق مجال عدسات كاميراتك، مما يجعلك بعيداَ نسبياَ عنهم، وتلتقط تصرفاتهم بكامل العفوية. الفرق، أنهم يعرفون داخلياّ أنك تصورهم، لذلك هم يقدمون لك الجزء من حياتهم الذي لا يمانعون أن يشاهده الجمهور، ولكن بمجرد أن تخبرهم بأنك قد توقفت عن التصوير، فلديهم ـ بالتأكيد ـ أشياء (خاصة) لا يريدون أن يظهر عليها المشاهدون.

مثال: لو أن ضيفك يدخن، ثم استأذنك أثناء تصويرك أياه وهو في ورشة النجارة، أن توقف التصوير ليدخن سيجارة، ثم يعود، فهو يشعرك على نحو واضح أنه لا يرغب أن يطلع عليه المشاهدون وهو يدخن السيجارة، فلو قلت له: نعم سوف أوقف الكاميرا، ولكنك تمكنك من أخذ لقطات وهو يدخن، فهذه خيانة وعدم تقدير للمسؤولية، ويجب عليك أن تمسحها مباشرة من الكاميرا. هذا مثال، وهناك عشرات المواقف الأخرى التي يمكن القياس عليها.

 

خامساً: تصوير أناس في الأماكن العامة  Public places دون أخذ اذوناتهم:

المقصود: أخذ (انسرتات) عامة ضمن فيلمك للناس تمشي في الشارع، أو الأسواق، أو الحدائق العامة، أو المطارات ، أو غيرها، وهو ما يسمى ب B-roll shots، لأنك غالباَ ستحتاجها أثناء المونتاج.

هذه مسألة جدلية، البعض يرى أنه لا حرج في تصوير الناس تمشي في الأماكن العامة، لأنها أماكن عامة، وليست خاصة تحتاج إلى أذوناتهم، والبعض الآخر، يرى أنه تعدٍ على خصوصيات الناس.

الذي أميل إليه، هو الوسط، وتقدير كل حالة بظروفها وملابساتها. بمعنى إن كان الناس يذهبون إلى حديقة أو مكان عام ويعرفون أنه يوجد تصوير في الوقت الفلاني، ولا يمانعون من أن يظهروا في الفيلم، فلا بأس، لكن أن أضع كاميرتي في وسط شارع مكتض بالمشاة، أو بهو جامعة مليء بالطلاب، أو على حافة شارع تسير في سيارات وتظهر لوحات السيارة بصورة واضحة، ثم آخذ لقطات تفصيلية  Close-up shots فهذا في نظري أنه غير أخلاقي؛ لأنه ببساطة قد يوجد من بين المشاة من لا يريد أن يظهر في الفيلم، وله الحق في ذلك.

هناك قضية مشابهة أيضاً تُشكل عليّ، وهي تصوير المصلين في المساجد، كما في صلوات التراويح والقيام، ثم أخذ لقطات مفصلة لوجوههم وهم في وضع خشوع واتصال روحاني، أشعر بأن هذا فيه تدخل صارخ في خصوصياتهم. لذا، قد تكون لقطات عامة كافية، ورافعة للحرج.

من خلال متابعتي للعديد من أفلام BBC  الوثائقية أو الريبورتاجات المطولة، أجد أن المخرج حين يريد استخدام لقطات public  يتبع إحدى إجرائين:

الأول: يقوم بتصوير الناس وهي تمشي في الشارع ـ مثلاًـ، ثم في مرحلة المونتاج يضع فلتر Blur filter  والذي يعمل على تغبيش اللقطة عموما، وجعلها ضبابية، إلى نسب شفافية خفيفة، بحيث تشاهد الناس تمشي ولكن لا تستطيع أن تميز تفاصيل وجوههم، وتترك أيضا انطباع جمالي للقطة.

مثاله: فيلم   The City of London – Money and Power

الثاني: أن يتسخدم لقطات رمزية، فمثلاً يصور low angle shots  لأرجل الناس وهي تمشي، أو يصور حقائبهم في المطار، أو يصورالمباني دون الناس، وهكذا، بحيث يؤدي المعنى، مع السلامة من ترك ثغرات قانونية في فيلمه قد تستدعي مسائلات قانونية ضده.

أخيراَ، حاول أن تقدر كل موقف بما يستحقه، واطرح دائماَ هذا التسائل في نفسك، لو كنت مكان الضيف هل سأكون راضياَ؟ ومع كثرة الممارسة سيرتفع لديك الحسّ الأخلاقي والقانوني يوماَ بعد يوم.

 

المراجع لكامل درس أخلاقيات إنتاج الأفلام الوثائقية :

Aufderheide, Patricia, and et al. (2009). Honest Truths: Documentary Filmmakers on Ethical Challenges. Retrieved fromhttp://www.centerforsocialmedia.org/sites/default/files/Honest_Truths_–_Documentary_Filmmakers_on_Ethical_Challenges_in_Their_Work.pdf

Charlton, Ct, and et al. (2006). Ethical Issues of Presenting Misinformation in Docudramas. Retrieved from http://www.ethicapublishing.com/ethics/4CH13.pdf

Fadiman, Dorothy and Tony Levelle. (2008). Production With Passion. Studio City: Michael Wiese Prodcutions.

Hampe, Barry. (2007). Making Documentary Films and Videos. New York: A Holt Paperback.

Hewitt, John and Vazquez, Gustavo. (2010). Documentary Filmmaking: A Contemporary Field Guide. New York: Oxford University Press.

Nichols, Bill (2010). Introduction to Documentary. Bloomington: Indiana University Press.

Nash, Kate. (2011a). Beyond the frame: researching documentary ethics. Retrieved fromhttp://www.textjournal.com.au/speciss/issue11/Nash.pdf

Nash, Kate. (2011b). Documentary-For-the-Other: Relationships, Ethics, and (observational) Documentary. Retrieved fromhttp://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/08900523.2011.581971

Sanders, Willemien. (2010). Documentary Filmmaking and Ethics. Retrieved fromhttp://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/15205431003703319

Winston, Brian. (2000). Lies, Damn Lies and Documentaries. London: British Film Institute.