تركي الشهري ـ أكاديمي وإعلامي:

قد سعدتُ بمشاهدة فيلم الرحلة 13 في حفل افتتاح مهرجان الجزيرة التاسع للأفلام التسجيلية في الدوحة 2013، وقد استرعى انتباهي هذا الفيلم من حيث معالجته وفكرته، فسأحول أن أقرأ الفيلم من زاوية مهنية نقدية لما يعكسه من أهمية للعاملين في حقل الوثائقيات.

الفيلم، بداية، يتحدث عن قصة وفد الجزيرة الرياضية الذي أنيط بهم تغطية فعاليات كأس العالم في جنوب أفريقيا 2010، وها هم يستقلون طائرة خاصة صغيرة تنقل الوفد من مدينة إلى أخرى، ولكن تعطلت إحدى عجلات الطائرة عن النزول أثناء الهبوط، وكادت نياط قلوبهم أن تتقطع فرقاً من الخوف، وحينها قرر كابتن الطائرة الهبوط الاضطراري بدون عجلات، ليروي الوفد تفاصيل قصتهم المثيرة بين الحياة والموت.

يبدأ الفيلم حينما يتجهز الوفد للرحيل متجهين إلى المطار، وقد ضلوا الطريق، ثم وصلوا في نهاية المطاف إلى المطار وتفاجأوا بصغر حجم الطائرة الخاصة، وكانوا يتبادلون الطرف والابتسامات إلى حين استقرار الطائرة في الهواء، ويستمر الوفد في سرد بقية القصة. هنا يمزج المخرج رؤيته في تقريب المشهد عبر (مشاهد معادة التمثيل) وكأنها صورت بكاميرات جوالات وكاميرات كام كوردر صغيرة، يتبادل فيها الرفاق الأحاديث الودية.

لكن بتدقيق النظر نجد أن المقاطع داخل الطائرة تنقسم إلى قسمين: قسم تم تصويره فعلاً بكاميرات الوفد الشخصية، وواضح فيها الاهتزاز وضعف الجودة والأهم (العفوية)، وقسم آخر تم إعادة تصويره، من مثل (مشهد تصوير الكابتن وهو مرتبك) أو الحوار الذي جرى بين الكابتن ومساعده من زاوية قريبة، إذ لا يغيب عن الذهن أن أنظمة الطيران العالمية تمنع الاقتراب من قمرة قيادة الطائرة بحيث تقترب الكاميرا من كتف الكابتن، فاتضح أنها مشاهد معادة التمثيل reenactment  ، ومنها أيضا مشهد كتابة الوصية، وأيضا اتصال أحد الوفد بالجوال من الطائرة ـ في مستوى ارتفاع متدن ـ إلى أهله في قطر، فهذا المشهد بلا شك أنه ممثل، وغيرها، ولكنني ـ وبدون أدنى شك ـ أقر بأن الرؤية الفنية قد مزجت بين هذه المشاهد (الحقيقية) والمصطنعة باحترافية عالية.

تبقى مسألة أخلاقية هذا الإجراء من عدمه في ظل أخلاقيات المهنة الإنتاجية مسألة جدلية، إذ أن الفيلم لم يظهر على الشاشة أنها (مشاهد ممثلة) بل اكتفى في شارة نهاية البرنامج بعرض أسماء فنيي المشاهد الممثلة ومن نفذها، مع أني في تقديري الشخصي أن مزج هذه المشاهد ببعضها يعد (تزييفاً) لوعي المشاهد وثقته بصدقية كل المواد المعروضة أمامه في الفيلم. إذ يستطيع المشاهد أن يمايز بين المشاهد الحقيقية في سياقها الطبيعي وبين تلك التي أعيد تمثيلها وأن يربط بينها بصورة تلقائية حينما يتم إبلاغه بأن هناك مشاهد ممثلة، إذ أن الذائقة البصرية للمتابع تغض الطرف عن المصطنع وتتخيله حقيقي ولكن عن وعي، تماماً كالدراما، إذ يتيقن المشاهد أن مشهد القتل إنما هو مصطنع ولكنه يعيشه ويتخيله بأنه حقيقي عن وعي وتغافل في الوقت ذاته.

إنني لا أقلل من شأن الفيلم باستخدامه مشاهد التمثيل، بل هي أبرز ما يميز الفيلم، ولكن تغييب عبارة (مشاهد تمثيلية) labeling هي ما استشكل عليَّ كمتخصص في صناعة الأفلام الوثائقية.

أما تقطيع مقابلات الوفد وهم يروون شهاداتهم عن الحادثة فكان في غاية الروعة والانسجام، إذ يتجلى بحق حسن إعداد أسئلة المقابلات وتسلسلها المنطقي، واندماجها مع سرعة الـcut  في غرفة المونتاج. ومما ساعد على سرعة إيقاع التقطيعات بين المقابلات غزارة اللقطات نفسها، إذ لا يساورني شك أن المقابلة مع كل أفراد الوفد قد تم تسجيل بعضها أو كل أجزاءها عدة مرات مما أعطى المخرج خيارات واسعة في أحجام اللقطات وزوايا التصوير.

تميز الفيلم بقلة حضور التعليق الصوتي narration  إذ اُقتصر عليه في بداية الفيلم ونهايتة تقريباً، والأغلب الأعم في الفيلم هو voice over  على شهادات الوفد مع صور ولقطات أرشيفية وأخرى معاد تمثيلها للحادثة، وهذا يعطي الفيلم الصبغة القصصية الروائية أو ما يسمى في حقل الوثائقيات storytelling documentary ، إذ بمجرد مشاهدة أول خمس دقائق من الفيلم تنجذب لمتابعته إلى آخره لمعرفة حل عقدة عدم نزول إحدى عجلات الطائرة وماذا آل إليه مصيرُ وفد الجزيرة الرياضية. وهنا تتجلى تماسك بنائية الفيلم القصصية بوجود بداية ووسط ونهاية مشوقة.

غنيٌ عن الإشارة بأن الفيلم استخدم الجرافيكس لتقريب مخيلة المشاهد نحو أحداث الفيلم، من خلال تحركات الطائرة جواً، وأيضاً أكاد أن أجزم بأن لقطة هبوط الطائرة على المدرج تم تركيبها بالجرافيكس بصورة still  للطائرة مع صورة أخرى للمدرج still  ثم تحريك الصورتين وكأنها تشعر المشاهد باحتكاك بطن الطائرة بأرضية المدرج، ولكنها كانت متقنة بصورة مدهشة.

كأنني لمحتُ لقطات إرشيفية للطائرة قبيل هبوطها (فيديو) ولكن بثلاث عجلات، بينما تظهر في الصور الثابتة الفوتوغرافية بعجلتين والتي يُتوقع أنها اُلتقطت من مصور كان بالقرب من المطار أثناء هبوط الطائرة الاضطراري، أما الأولى (لقطة الفيديو) فربما لقطة أرشيفية لطائرة مشابهة للطائرة الحقيقية، وهذا يطرح تساؤلا حول مفهوم الدقة accuracy  لدى بعض مواد هذا الفيلم.

في المجمل العام الفيلم أثار إعجابي إلى قبيل نهايته عندما دخلت (البروبوقاندا) لتفسد عفوية وبراءة القصة الإنسانية، حيث تم الإشارة صراحة في التعليق الصوتي أن وفد الجزيرة الرياضية يتفانون في خدمة كيانهم مهما كانت العقبات والتضحيات، ولا شك أن إقحام هذه الرسالة (التسويقية) في قصة إنسانية كان يعاني أفرادها لحظات الموت هو توظيف غير أخلاقي وغير مهني ـ في وجهة نظري ـ، ولو تم الاقتصار على القصة لتفهم المشاهد دور الوفد في تجشم المخاطر لتغطية مناسبة رياضية دون التصريح بهذه الرسالة.

فقط أثار فضولي أثناء استعراض مقابلات الشهود (الكابتن ومساعده ووفد الجزيرة في الطائرة) أن الكابتن ومساعده كانا أكثر عفوية وتلقائية في التعبير عن مشاعريهما، خاصة في اللحظات الحاسمة والتي عبّرا عنها بدموع ولغة بدن مؤثرة، بينما وفد الجزيرة كانت ملامح وجوههم يظهر عليها الخوف والترقب والقلق والتشتت (والسرحان بعض الأحيان لتذكر تفاصيل القصة وأجزائها)، فلا أعلم كيف كانت طبيعة لقاءات الوفد من جهة ولقاءات الكابتن ومساعده من جهة أخرى والتي أشعر أنهما كانا أكثر تدفقا وعفوية في البوح عن مشاعرهما.

ختاماً، فلم الرحلة 13 فيلم جدير بالاحترام، ويخفي وراءه جهداً إنتاجياً وإعدادياً عالياً، وفي نهاية المطاف الحمد لله على سلامة الوفد.

 

 

تركي الشهري ـ أكاديمي وإعلامي

الدوحة – الجمعة 19 أبريل 2013