يمرُّ الباحثون عن الإسلام بتجارب متباينة، منهم من يستغرق سنوات ليصل إلى الاقتناع، ومنهم بضعة أشهر، ولكن في كلا الحالتين يشتركون في شيء واحد.. الصراع الداخلي لاتخاذ هذه الخطوة. من يقرأ قصص المتحولين إلى الإسلام يدرك حجم الإرهاق النفسي والذهني الذي يعتري كثير منهم في غمرة التفكير الجاد بدخول الإسلام. لم أكتفِ بالقراءة عنهم.. بل قابلتهم.. وأنتجت فيلماً وثائقياً عنهم كمتطلب لدرجة الماجستير – وهذا أتاح لي أن أتعرف عن قرب على حياتهم قبل وأثناء وبعد اعتناقهم الإسلام.

في كل مرة أبحث وأقرأ عن هذا الموضوع، استشعر كم أنا محظوظ بأنني وُلدت وتنشأتُ مسلماً. قد يكون هذا الشعور مغروساً في العقل اللاوعي لدى كثير منا بحكم العادة، حتى أصبح ممتزجاً بخلايا العقل.. مذاباً في الشرايين.. ملتصقاً بشغاف القلوب.. ربما لا ندركه لأنه هو هويتنا وتكويننا وذاتنا (والأنا) التي نبدأ تعريف أنفسنا بها، فنقول ( أنا مسلم). لكن عندما نقفز من هذا (المستوى) إلى بيئة من يصارع عشرات الأفكار، والأديان، والفلسفات، والصور الذهنية، والمعالجة الإعلامية، والتدخلات السياسية والنفعية، وضغوطات الوسط الاجتماعي من أقارب وأصدقاء وزملاء عمل… ثم يبصر هناك بصيص أمل يدعوه إلى الطمأنينة ويجيبه عن أسئلته الحائرة.. يتشبث بذاك الحبل.. حبل النجاة، ليترجم سعادته بسيل من الدموع، ولسان ينطق بالشهادة – حينها ندرك كم نحن سعداء.

بشهادة الكثيرين، الإسلام هو أسرع الأديان انتشاراً. في بريطانيا مثلاً، أكثر من خمسة آلاف شخص يدخلون الإسلام سنوياً، ثلاثة أرباعهم من النساء. من هؤلاء من يُصنف ضمن أبناء أعلى الطبقة المتوسطة، وينحدرون من عائلات عريقة، ويحملون مؤهلات أكاديمية ووظيفية عالية. المثير للدهشة هو كثرة الداخلين في الإسلام من النساء. فرغم المعالجة الإعلامية المضللة (وغير المتوازنة)، وبرغم كثرة الصور النمطية عن حجاب المرأة، إلا أن ثمة شيئاً مهماً يجذب (أليشا) الكندية في أن تعتنق الإسلام.. هو مفهوم وحدانية الله تعالى. صدقوني ليست (أليشا) لوحدها – التي تركت العيش في كندا وانتقلت إلى بريطانيا ـ بل كثيرين ممن قابلتهم وقرأت عنهم، كان (التوحيد) هو الفكرة المزلزلة للقناعات التي تشكلت في أذهانهم منذ طفولتهم. لاعب كرة القدم المحترف في الدوري الانجليزي (جوليان قراي) أكد لي بأن مفهوم (التثليث) أحدث له تناقضات غير مفهومة استمرت معه لسنوات، وأنه كان لا يستسيغ فكرة وجود واسطة بين عباداته وبين الخالق تعالى، فوجد أن الإسلام يعلمه بأن يوجه عباداته إلى الله تعالى مباشرة دون وسطاء، وبذلك اعتنق الإسلام.

ماذا عساي أن أقول عن (وليَم) الشاب الانجليزي ذي التسعة عشر عاماً، الذي شرح لي مفهوم سورة الإخلاص ومعنى (الأحد) بأسلوب وتنظير لا تجده إلا في كتب السلف الأوائل. وكيف لي أن أفهم (دايفيد) الذي كان ملحداً، ووالده كان ملحداً، ثم عاد إلى الفطرة وآمن بوجود إله، ولكنه لم يتعرف على الإسلام، وقاده بحثه المستمر أن يهديه الله تعالى لرجل مسلم بسيط يعطيه نسخة مترجمة لمعاني القرآن، فيجد (دايفيد) نفسه مأسوراً بإعجاز القرآن، مبهوراً بتأثيره على قناعاته الإلحادية القديمة.. وأخيرا يشهر إسلامه في مسجد في (شيفيلد).

أتاح لي مشروعي هذا أن أتواصل مع عشرات المراكز الإسلامية والأفراد على طول وعرض انجلترا. وأعطاني فرصة أيضاً لفهم بعض سمات المتحولين إلى الإسلام. أصعب العقبات في إنتاج هذا الفيلم كانت في البحث عن أخوات مسلمات جدد يوافقن على المشاركة. إذ يُحجم كثير منهن عن الظهور في وسائل الإعلام بسبب اهتزاز الثقة بالتغطية الإعلامية السائدة، خاصة بعد ربط حالات من المتحولين الجدد (Reverts) بالإرهاب، فتقوقع كثير من المتحولين على أنفسهم وكوّنوا مجموعات عبر صفحات الفيس بوك أو بعض المراكز الإسلامية، يتعلمون فيها مبادئ الإسلام ويشجع بعضهم بعضاً.

يكاد يجمع المتحولون أنهم تلقوا حفاوة من أصدقائهم المسلمين قبل وأثناء تحولهم إلى الإسلام، ولكن بعد ذلك لا يجدون إلا القلة من المسلمين من يقف معهم ويساندهم في مشكلاتهم الاجتماعية والثقافية. أخبرني مسؤول في أحد أكبر المراكز الإسلامية في لندن أن ثمة نسبة ملحوظة من المتحولين ينكصون عن الإسلام بعد تحولهم بزمن، أو يفترون عن ممارسة الشعائر. بعضهم يتزوجون مسلمين مهاجرين في بريطانيا بهدف تعلم اللغة العربية أو مبادئ الإسلام، وفي كثير من الحالات، تنتهي هذه الزيجات بالطلاق بعد أن شكّلوا انطباعاً سلبياً عن سلوكيات المسلمين.

وعلى رغم ذلك، فأعدادهم في تزايد مستمر، بل تميّز بعضهم على مدى العقدين الأخيرين في الإسهام الدعوي والثقافي والفكري، وتغذية التنوعِ الفقهي بآراء واجتهادات جديرة بالتأمل. يبدو لي أن حاجتهم وشغفهم في تعلم اللغة العربية يحتم على الناطقين بها إيجاد مشاريع إلكترونية ومراكز تعليمية في بريطانيا تتيح لهم تعلمها بما يناسب العقلية الغربية. هناك بعض (المبادرات) البسيطة – لكنها تحتاج إلى مزيد من المتانة والاحتراف.

تقبلوا موفور مودتي،،،

تركي،،