الرئيسية Forums أخلاقيات ماذا تفعل إذا بكى الضيف في الفيلم الوثائقي؟

  • الكاتب
    المشاركات
  • تركي الشهري
    مدير عام
    Post count: 4
    #1632 |

    طرحتُ نص هذا السؤال على زملاء مهنة:
    ما رأيك؟
    لو تصور فيلما وثائقياً مع شاب – مثلاً- لديه قصة مؤثرة في حياته… في وسط المقابلة انهار الشاب بالبكاء، في هذه الحال:
    ١- هل تعتبرها لحظة مهمة في الفيلم وربما تأخذ لقطة مكبرة close up shot؟ ولماذا؟
    ٢- هل تجعل اللقطة كما كانت عليه وتواصل التصوير وتعتبرها شيء عادي؟ ولماذا؟
    ٣-هل توقف التصوير حتى ينتهي من البكاء ثم تستأنف؟ ولماذا؟

    يمكنكم الرجوع إلى الإجابات على الرابطين:
    في توتر اضغط هنا.
    في فيس بوك اضغط هنا.

    فكان جوابي هو:
    وجهة نظري حيال تصوير شاب في فيلم وثائقي – أجهش بالبكاء حين استذكر موقفاً مؤثرا – هو أن تطفئ الكاميرا، وتواسيه، ولا تبنِ أعمالك الفيلمية على أكتاف المتألِّمين.

    أدهشتني كثيراً وسررتُ بحجم التفاعل والمشاركات، حينما بعثتُ بسؤالي عن حالة الشاب (الافتراضية) من خلال حسابي في الفيس turki5500 وتِوِترْ turkialshehri55@ والتي أنصح المهتم في أخلاقيات الإعلام بقراءة التعليقات والآراء، حيث لا أخالها إلا نفيسة وذات عمق.

    توقعتُ التباين في الآراء. ما بين مؤيد لاستغلال اللحظة وتقريب اللقطة لإظهار تفصيلات الدموع، وفريقٍ يدعو لمواصلة التصوير دون تغيير في حجم اللقطة، وفريق آخر يدعو إلى إيقاف التصوير. ما شدني كثيراً هو تأكيد البعض على ضرورة أخذ الموافقة من الشاب بعد المونتاج/التصوير للمقاطع التي بكى فيها – في حال لديه تحفظ عليها ـ وهذه الخطوة إيجابية ـ وإن كنت لا أوافقها فنياً وإنما أرتاح إليها أخلاقياً.

    كل الخيارات الثلاثة هي محل اجتهاد عند (فقهاء) أخلاقيات المهنة في الأفلام الوثائقية، وعلى رأسهم Bill Nichols, John Corner, Brian Winston وغيرهم. وليس ثمة أحكام قطعية في مثل هذه المسائل الجدلية. والاختلاف فيها مسوغ لاختلاف تخصصات وخبرات العاملين في هذا الحقل. إلا أن التوجه العام في أخلاقيات الوثائقيات هو حماية الضيوف (المشاركين) ممن يعتريهم ضعف vulnerable people لقلة خبرتهم، أو فقرهم، أو صغر سنهم أو كبرهم، أو محدودية إدراكهم لتبعات ومآلات الفيلم.

    في مثالنا هذا عن الشاب: الذي اقتنعتُ به ـ مؤخراًـ هو ضرورة حماية الضيف من كل الوجوه وعدم استغلاله. هذا الشاب وإن قبل (طواعية) المشاركة في الفيلم إلا أنه يبقى لديه شعور بالتردد، نابع من عدم قدرته على تخيل كيف ستظهر ذاته أمام المشاهدين representation ، وكيف سيفهمونه، وماذا ستكون ردة فعلهم. هذا التردد غالباً أنه (يقلص) بإلحاح المخرج أو المنتج على الشاب أن يشارك في الفيلم وبإقناعه له أنها فرصة ذهبية لعرض قصته فيقتنع، وربما يقتنع دون إلحاح.

    الضابط في هذه المسألة الأخلاقية هو: هل ترضاه لابنك أو لأخيك؟ فلو كان هذا الشاب أخاك أو ابنك، وانهار باكياً أثناء التصوير لتذكرِه مؤقفاً مؤثراً، وكنتَ أنت المخرج مثلاً، هل ـ بكل صراحة ـ تعدها فرصة ذهبية لتقريب اللقطة وتكبيرها وإظهار دموع ابنك؟ لا أخفيكم سراً.. أنني أرفض ذلك تماماً. ثم أن عُمُر الفيلم الوثائقي يمتد لعقود، فكيف ستكون الصورة الذهنية عن هذا الشاب أمام أبنائه إذا كبروا بعد خمسين سنة؟ تخيل مشهد الأبناء وهم يرون أباهم ضعيفاً منكسراً يبكي أمام الكاميرا وقد شاهده الملايين وربما مئات الملايين من قبل؟ إنني على شبه يقين أن مثل هذه التساؤلات قد تغيب عن أذهاننا ونحن في معمعة تصوير هذا الشاب وأذهننا مشغولةٌ باللقطات والصوت والإضاءة و و إلخ. لكن عندما نعود إلى منازلنا، ونتأمل قليلاً.. ندرك أن ثمة إشكال أخلاقي قد لفّنا، وقد يلحقنا بتأنيب الضمير لعقود قادمة. لكم أن تتخيلوا أن مخرجي أفلام وثائقية كبار في الغرب صنعوا أفلاماً قبل 80 سنة، خرقوا فيها معايير أخلاقية جعلت أسمائهم ملتصقة في مئات الأبحاث والأوراق العلمية ممن يصنفون بأنهم غير أخلاقيين!

    الشاب الذي يروي قصته في فيلم وثائقي هو مشارك ومتعاون مع المخرج في إنتاج الفيلم فهو طرف مهم في المعادلة، وهذه الأفلام تدعى collaborative documentary films (الأفلام التعاونية)، لا يكفي فيها أن تصور الشاب وتعده في المونتاج أن يشاهد الفيلم ليوضح ملاحظاته حينها، لأن الغالب تنقصهم الخبرة، وتحت ضغط الاحراج أو محدودية إدراكه لتأثير الفيلم الوثائقي لا يجد ما يدعوه إلى الاعتراض. على المستوى الشخصي، لا أحبذ أن يدخل الضيف غرفة المونتاج، إذ الفيلم هو تشكيل وفن وصنعة، وإدخال الضيف يعني سيطرته على سياسة التحرير للفيلم editorial policy وهذا من اختصاص المخرج أو صانع الفيلم. العلاقة بين المخرج والضيف (المشارك) علاقة ثقة تبدأ قبل وأثناء وبعد الفيلم. ولترجمة هذه الثقة واقعياً، يجب أن نعامل الضيف كما لو لم يكن ثمة كاميرا أمامه، لأننا ببساطة لو بكى أمامنا الشاب بدون كاميرا لواسيناه وآنسناه وخففنا عنه وحاولنا تهدأته، فلماذا عندما نضع الكاميرا أمامه نخلع عنا إنسانيتنا وبعد أن نطفئها نعيد لبوس إنسانيتنا من جديد؟

    لا أريد أن أشير إلا كارثة أخلاقية عند أولئك الذين (يتعمدون) طرح أسئلة معينة (وتكرارها) على الضيف حتى يبكي أمام الكاميرا، للأسف أنهم كثر، وهذا الأسلوب مستهجن في ضوء أخلاقيات المهنة وفيه إيذاء نفسي عميق، وهو حتى من الزاوية الشرعية قد يدخل ضمن دائرة الإيذاء المنهي عنه أساساَ.

    باختصار، قوة الفيلم ليس في استغلال ضيوفه، إنما في قوة حبكة روايته للأحداث والمشاعر والأفكار وفق بناء مشوق ومنطقي له بداية ووسط ونهاية، يراعي كينونة ضيوفه وكرامتهم وإنسانيتهم.

     

    كان هذا جوابي.. وهذا رأي قد يحتمل الصواب أو الخطأ.. ماذا عن رأيك أنت؟

يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.